القاضي عبد الجبار الهمذاني
32
شرح الأصول الخمسة
أمير المؤمنين أن أهل الشام مع كثرتهم على الباطل وأهل العراق مع قلتهم على الحق ، فقال له : يا جار إنه لملبوس عليك ، الحق لا يعرف بالرجال ، وإنما الرجال يعرفون بالحق ، اعرف الحق تعرف أهله قلوا أم كثروا ، واعرف الباطل تعرف أهله قلوا أم كثروا . فإن قالوا : أليس قد روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « عليكم بالسواد الأعظم » ، فهذا يدل على أن تقليد الأكثرين أولى ، قلنا : إن صح هذا الخبر وثبت فالمراد به أن الأمة متى أجمعت على حكم شرعي يجب متابعتهم ولا يجوز مخالفتهم . ومن جيد ما يعتمد عليه في فساد التقليد هو ، أن المقلد لا يخلو إما أن يقلد العالم أو غير العالم ، لا يحل أن يقلد غير العالم ، فإذا قلد العالم فلا يخلو ذلك العالم إما أن يكون قد علم ما قد علمه تقليدا ، أو بطريقة أخرى ، لا يجوز أن يكون قد علمه تقليدا ، لأن الكلام فيه كالكلام في الأول فيؤدي إلى ما لا يتناهى من المقلدين ومقلدي المقلدين ، وهذا محال ، وإن علمه بطريقة أخرى ، فلا يخلو إما أن يعلمه اضطرارا أو استدلالا لا يجوز أن يعلمه اضطرارا لما تقدم من الوجوه لأنه كان يجب أن يشاركه فيه ، فلم يبق إلا أن يعلمه ، استدلالا على ما نقوله . وهذا يبين لك فساد التقليد . ومما يعتمد عليه في فساد التقليد وهو أجود أن المقلد لا يأمن خطأ من قلده فيما يقدم عليه من الاعتقاد وأن يكون جهلا قبيحا ، والإقدام على ما لا يؤمن كونه جهلا قبيحا بمنزلة الإقدام عليه مع القطع على ذلك . شبهة الخلط بتقليد الرسول فإن قيل : ألستم جوزتم تقليد الرسول فقد دخلتم فيما عبتم علينا ، قلنا : معاذ اللّه أن يكون ذلك تقليدا ، لأن التقليد هو قبول قول الغير من غير أن يطالبه بحجة وبينة ، ونحن إنما قبلنا قوله لظهور العلم المعجز عليه . تقليد العامي للعالم فإن قيل : ألستم جوزتم للعامي تقليد العالم ، قلنا : إن ذلك ليس بتقليد ، فإنا إنما جوزنا له الرجوع إلى قول العالم لقوله تعالى : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ الأنبياء : 7 ] ولأن الأمة اتفقت على أن له الرجوع إليه ، فلا يكون تقليدا . وبعد